محمد حسين علي الصغير

145

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

من الإفصاح ، والتعريض أوقع من التصريح وأن للاستعارة مزية وفضلا ، وأن المجاز أبدا أبلغ من الحقيقة ، إلا أن ذلك وإن كان معلوما على الجملة فإنه لا تطمئن نفس العاقل ، في كل ما يطلب العلم به حتى يبلغ فيه غايته ، وحتى يتغلغل الفكر إلى زواياه ، وحتى لا يبقى عليه موضع شبهة ، ومكان مسألة . . . واعلم أن سبيلك أولا : أن تعلم أن ليست المزية التي تثبتها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره ، والمبالغة التي تدعى لها في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم إليها بخبره ، ولكنها في طريق إثباته لها وتقريره إياها . . . أما الكناية فإن السبب في أن كان للإثبات بها مزية لا تكون للتصريح أن كل عاقل يعلم - إذا رجع إلى نفسه - أن إثبات الصفة بإثبات دليلها ، وإيجابها بما هو شاهد في وجودها آكد وأبلغ في الدعوى من أن تجيء إليها فثبتتها هكذا ساذجا غفلا ، وذلك أنك لا تدعي شاهد الصفة ودليلها إلا والأمر ظاهر معروف ، وبحيث لا يشك فيه ، ولا يظن بالمخبر التجوز والغلط » « 1 » . ولا يكتفي عبد القاهر في بيان مزايا الكناية وخصائصها عند هذا الحد بل يزيد الفكرة شرحا ، وينورها إيضاحا فيقول : « فينبغي أن تعلم أن ليست المزايا التي تجدها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره والمبالغة التي تحسها في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم بخبره إليها ، ولكنها في طريق إثباته لا ، وتقريره إياها إنك إذا سمعتهم يقولون : إن من شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني مزية وفضلا ، وتوجب لها شرفا ونبلا ، وأن تفخمها في نفوس السامعين : لا ، فإنهم لا يعنون أنفس المعاني التي يقصد المتكلم بخبره إليها كالقرى والشجاعة والتردد في الرأي ، وإنما يعنون إثباتها لما تثبت له ويخبر بها عنه ، فإذا جعلوا للكناية مزية على التصريح لم يجعلوا تلك المزية في المعنى المكنى عنه ، ولكن في إثباته للذي ثبت له ، وذلك أنا نعلم أن المعاني التي يقصد الخبر بها لا تتغير في أنفسها بأن يكنى عنها بمعان سواها ، ويترك أن تذكر الألفاظ التي هي لها في اللغة ، ومن هذا الذي يشك أن معنى طول القامة وكثرة القرى لا

--> ( 1 ) الجرجاني ، دلائل الإعجاز : 48 وما بعدها .